يرحب مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف بالإعلان عن التوصل إلى اتفاق بين الدولة المصرية ودير القديسة كاترين بجنوب سيناء، بدعم من الحكومة اليونانية، بشأن الوضع القانوني للدير والأراضي والممتلكات المرتبطة به، باعتباره خطوة إيجابية نحو إنهاء النزاع القانوني الذي أثار خلال السنوات الأخيرة مخاوف بشأن مستقبل أحد أقدم الأديرة المسيحية العاملة في العالم، والذي يمثل قيمة دينية وتاريخية وحضارية استثنائية للإنسانية جمعاء.
ويتابع المركز باهتمام التصريحات الصادرة عن وزير الخارجية اليوناني، جورج جيرابيتريتيس، يوم السبت 24 أكتوبر 2026، والتي أكد خلالها أن الاتفاق يوفر أساسًا قانونيًا مستقرًا للدير، ويضمن الحفاظ على طابعه الديني وممتلكاته الكنسية واستمرارية الحياة الرهبانية، فضلًا عن منح الرهبان تصاريح إقامة طويلة الأمد.
ويؤكد المركز أن أهمية الاتفاق لا تنفصل عن الأزمة التي شهدها الدير خلال الفترة الأخيرة، وما أثارته من مخاوف مشروعة بشأن حرية ممارسة الشعائر الدينية وحماية الممتلكات التاريخية واستقلال المؤسسات الدينية.
فقد شهدت السنوات الماضية نزاعات قضائية بشأن ملكية الأراضي المحيطة بالدير وحقوق الانتفاع بها، بلغت ذروتها عقب حكم محكمة استئناف الإسماعيلية في مايو 2025، الذي أكد ملكية الدولة المصرية للأراضي محل النزاع مع الإبقاء على حقوق الانتفاع المقررة للرهبان، وهو ما أثار قلقًا واسعًا لدى الأوساط الكنسية اليونانية والأرثوذكسية بشأن الضمانات القانونية لاستمرار الحياة الرهبانية وحماية الممتلكات التاريخية للدير.
كما ترافقت الأزمة مع مخاوف بشأن مستقبل الأراضي والمواقع الدينية والتاريخية المرتبطة بالدير، واحتمالات تأثرها بمشروعات التطوير السياحي والعمراني في منطقة سانت كاترين، إلى جانب التساؤلات المتعلقة بأوضاع الرهبان الأجانب وضمان استمرار إقامتهم وممارسة أنشطتهم الدينية دون قيود تعسفية.
ويرى المركز أن هذه التطورات كشفت عن ضرورة وجود إطار قانوني واضح وشفاف يحمي المؤسسات الدينية التاريخية، ويمنع تكرار النزاعات التي قد تهدد استقرارها أو تمس هويتها الروحية والثقافية.
وفي هذا السياق، يشدد مركز أندلس على أن حماية دير سانت كاترين ليست مجرد مسألة تتعلق بالعلاقات المصرية اليونانية، بل التزام أصيل بحماية حرية الدين والمعتقد وصون التراث الإنساني المشترك، لا سيما أن الدير يمثل شاهدًا تاريخيًا على التعددية الدينية والتعايش الحضاري في مصر.
كما يؤكد المركز أن السيادة الوطنية المصرية على أراضيها لا تتعارض مع الالتزام بحماية الحقوق الدينية والتاريخية للمؤسسات القائمة عليها، وأن تحقيق التوازن بين الأمرين يتطلب احترام القانون والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان وحماية التراث الثقافي والديني.
وانطلاقًا من ذلك، يدعو مركز أندلس إلى:
1. الإعلان بشفافية عن البنود الأساسية للاتفاق والضمانات القانونية التي يوفرها للدير ورهبانه، بما يتيح الاطلاع العام على آليات تنفيذه.
2. ضمان استمرار الحياة الرهبانية داخل الدير دون تدخلات إدارية غير مبررة، مع احترام استقلاله الديني وخصوصيته التاريخية.
3. حماية الممتلكات الكنسية والمواقع الأثرية والأراضي المرتبطة بالاستخدام الديني والتاريخي للدير، وعدم اتخاذ إجراءات تمس طبيعتها أو وظائفها دون ضمانات قانونية واضحة.
4. ضمان حقوق الإقامة والتنقل للرهبان، وعدم تعريضهم لأي إجراءات تعسفية قد تؤثر على استقرار المجتمع الرهباني.
5. إخضاع مشروعات التطوير السياحي والعمراني في المنطقة لتقييمات مستقلة لتأثيرها على التراث الثقافي والبيئي، مع ضمان مشاركة المجتمعات المحلية، وفي مقدمتها أبناء القبائل البدوية، وحماية حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
6. وضع آلية واضحة لمتابعة تنفيذ الاتفاق وتسوية أي خلافات مستقبلية، بما يضمن عدم تجدد النزاع القانوني أو الإداري.
ويشدد المركز على أن الترحيب بالاتفاق لا يعني تجاهل الإشكاليات التي أدت إلى الأزمة، أو اعتبار الإعلان السياسي وحده كافيًا لإنهائها، إذ تظل الضمانة الحقيقية مرهونة بنصوص الاتفاق ومدى احترامها وتنفيذها عمليًا.
ويؤكد مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف أن حماية دور العبادة والمواقع الدينية التاريخية، سواء كانت إسلامية أو مسيحية أو يهودية أو تابعة لأي معتقد آخر، تمثل التزامًا لا يجوز إخضاعه للتجاذبات السياسية أو الحسابات الاقتصادية، وأن حرية الدين والمعتقد حق إنساني أصيل يستوجب الحماية دون تمييز.
ويختتم المركز بيانه بالتأكيد على أن دير سانت كاترين ليس مجرد أثر تاريخي أو مقصد سياحي، بل تراث إنساني حي، وأن الحفاظ عليه وعلى مجتمعه الرهباني وحقوق السكان المحليين يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على حماية التنوع الديني والثقافي واحترام التزاماتها الحقوقية.