يتابع مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف بقلق بالغ مسار الإجراءات القانونية المترتبة على قرار النيابة العامة المصرية، ممثلة في نيابة أمن الدولة العليا، بإصدار أمر الإحالة في القضية المقيدة برقم 4880 لسنة 2025 حصر أمن الدولة العليا، والمقيدة برقم 490 لسنة 2026 كلي وسط القاهرة، وبرقم 8-45 لسنة 2026 جنايات أمن الدولة العليا.
وقد انتهت التحقيقات، تحت إشراف المحامي العام لنيابة أمن الدولة العليا المستشار أحمد بدوي، إلى إحالة عدد من المتهمين إلى المحاكمة الجنائية أمام محكمة جنايات أول درجة المختصة بدائرة محكمة استئناف القاهرة، ومن بينهم الباحثة والكاتبة والناشطة المصرية ذات الأصول الأمازيغية أماني عبد الواحد علي الوشاحي، المدرجة كمتهمة رقم (45) بأمر الإحالة.
وتُعد السيدة أماني عبد الواحد علي الوشاحي، المولودة بمحافظة بورسعيد في 24 يونيو 1973، والمقيمة بمنطقة بولاق الدكرور بمحافظة الجيزة، ولها محل إقامة آخر بواحة سيوة بمحافظة مطروح، من أبرز الباحثين المصريين المتخصصين في دراسة التراث الثقافي والأنثروبولوجي للأمازيغ في مصر.
وتشغل منصب ممثلة أمازيغ مصر لدى الكونغرس العالمي الأمازيغي، كما تشغل منصب نائب رئيس المنظمة في مصر، وارتبط اسمها على مدار سنوات طويلة بالدفاع السلمي عن الحقوق الثقافية واللغوية للأمازيغ، والتعريف بتراثهم باعتباره جزءًا أصيلًا من التنوع الحضاري والتاريخي للشخصية المصرية، حتى عُرفت في الأوساط الحقوقية والثقافية بلقب “أم الأمازيغ المصريين”.
ويشير مركز أندلس إلى أن النشاط العام المعروف عن الوشاحي ظل منصبًا بالأساس على العمل الحقوقي والثقافي والبحث العلمي السلمي، وهو نشاط مشروع تكفله أحكام الدستور المصري والمواثيق الدولية ذات الصلة.
ومن ثم، فإن المركز يرى ضرورة التمييز الدقيق بين العمل الأكاديمي والثقافي المشروع، وبين أي أفعال مادية قد تشكل جرائم معاقبًا عليها قانونًا، إذ لا يجوز الخلط بين النشاط الفكري أو الحقوقي السلمي وبين الجرائم ذات الطبيعة الإرهابية أو التخريبية ما لم يقم على ذلك دليل مادي واضح وقاطع.
وبحسب أمر الإحالة، فقد أُسند إلى المتهمين عدد من الاتهامات استنادًا إلى أحكام القانون رقم 94 لسنة 2015 بشأن مكافحة الإرهاب وتعديلاته، من بينها اتهامات تتعلق بتولي قيادة أو الانضمام أو المشاركة في جماعة إرهابية، وتمويلها، واستخدام شبكة المعلومات الدولية ومواقع التواصل الاجتماعي للترويج لأفكارها ونقل التكليفات المرتبطة بها.
ويؤكد المركز أن هذه الاتهامات لا تزال محل نظر القضاء، ولا يجوز اعتبارها ثابتة أو نهائية قبل صدور حكم قضائي بات، احترامًا لمبدأ قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
ويرى مركز أندلس أن توجيه مثل هذه الاتهامات، بما تنطوي عليه من آثار قانونية بالغة الخطورة، يفرض على المحكمة ممارسة أعلى درجات الرقابة القضائية للتحقق من توافر الأركان القانونية والمادية لكل اتهام، وضمان عدم امتداد نطاق النصوص العقابية إلى تجريم الآراء أو الخلفيات البحثية أو الأنشطة الحقوقية والثقافية السلمية، ما لم تقترن بأفعال مادية مجرمة وثابتة بأدلة يقينية.
ويذكّر المركز بأن الدستور المصري الصادر عام 2014 قد كفل منظومة متكاملة من الضمانات الأساسية لحماية حقوق المتهمين، وفي مقدمتها المادة (96)، التي تنص على أن “المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه”، وهو مبدأ دستوري أصيل يحظر التعامل مع أي متهم باعتباره مدانًا قبل صدور حكم قضائي نهائي.
كما تكفل المادة (65) من الدستور حرية الفكر والرأي والتعبير، وتؤكد المادة (93) التزام الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي صدقت عليها مصر، ومنحها قوة القانون الداخلي، بينما تنص المادتان (54) و(55) على حماية الحرية الشخصية وضمان معاملة كل من يقبض عليه أو يحبس بما يحفظ كرامته الإنسانية، وعدم تعريضه لأي شكل من أشكال الإيذاء البدني أو المعنوي.
وبموجب هذه الالتزامات الدستورية، تصبح الدولة المصرية ملزمة كذلك بأحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادة (9) التي تحظر القبض أو الاحتجاز التعسفي، وتؤكد أن الحبس السابق للمحاكمة يجب أن يظل إجراءً استثنائيًا لا قاعدة عامة، فضلًا عن المادة (14) التي تكفل الحق في محاكمة عادلة، وحق المتهم في إعداد دفاعه، والتواصل بحرية وسرية مع محاميه، والاطلاع على أدلة الاتهام ومناقشتها.
كما يحمي العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الحق في المشاركة في الحياة الثقافية وحرية البحث العلمي، إلى جانب ما قرره الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإعلانات الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الأقليات الثقافية واللغوية، والتي تؤكد جميعها ضرورة احترام التنوع الثقافي وحماية المدافعين عنه في إطار سيادة القانون.
وانطلاقًا من جميع هذه المبادئ الدستورية والقانونية والدولية، يطالب مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف بما يلي:
1- الإفراج الفوري عن الباحثة والناشطة الأمازيغية أماني عبد الواحد علي الوشاحي، أو استبدال الحبس الاحتياطي بتدابير قانونية بديلة غير سالبة للحرية، لانتفاء مبررات استمرار احتجازها، مع ضمان مثولها أمام جهات التحقيق والمحاكمة كلما طُلب منها ذلك.
2- مراجعة أوضاع جميع المتهمين المحبوسين احتياطيًا على ذمة القضية، وتفعيل البدائل القانونية للحبس الاحتياطي، اتساقًا مع أحكام الدستور المصري والمعايير الدولية التي تؤكد أن الحبس الاحتياطي تدبير استثنائي وليس عقوبة مسبقة.
3- تمكين هيئة الدفاع من ممارسة حقوقها كاملة، بما يشمل الاطلاع على ملف القضية، ونسخ أوراقها، ومناقشة الأدلة والأحراز وتقارير الخبراء، وضمان التواصل الحر والسري بين المتهمين ومحاميهم.
4- الفصل الواضح بين الأنشطة الثقافية والبحثية السلمية وبين الجرائم الجنائية، وعدم اعتبار الدفاع عن الهوية الثقافية أو الحقوق اللغوية أو التراثية أساسًا للمساءلة الجنائية، ما لم يقم دليل قانوني واضح على ارتكاب فعل مجرم.
5- ضمان المعاملة الإنسانية والرعاية الطبية الكاملة لجميع المحتجزين على ذمة القضية، وفقًا لأحكام الدستور المصري، وقانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل، والمواثيق الدولية ذات الصلة.
وفي ختام هذا البيان، يجدد مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف تأكيده أن احترام قرينة البراءة، وضمان المحاكمة العادلة، وصون حرية البحث العلمي والعمل الحقوقي السلمي، والالتزام بأحكام الدستور والمواثيق الدولية، تمثل جميعها ركائز أساسية لدولة القانون. كما يرى المركز أن الإفراج الفوري عن الباحثة أماني الوشاحي، وضمان جميع حقوقها الإجرائية والقانونية، من شأنه أن يعكس احترام الدولة المصرية لالتزاماتها الدستورية والدولية، ويعزز الثقة في منظومة العدالة وسيادة القانون.