يُعرب مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف عن قلقه البالغ وأسفه العميق إزاء حكم محكمة النقض الصادر بتاريخ 19 أبريل 2026، والذي قضى برفض إثبات زواج مواطنين مصريين من الطائفة البهائية، ونقض الحكم السابق الذي كان يُلزم وزيري الداخلية والعدل بالاعتداد بهذا الزواج وما يترتب عليه من آثار قانونية.
أولاً: تقييم الحكم وأبعاده الدستورية
يرى المركز أن هذا الحكم لا يُمكن اختزاله في كونه إجراءً قضائياً عادياً، بل يُعدّ تحولاً خطيراً في مسار العدالة، وردةً صريحة عن المبادئ الدستورية الحاكمة، وتقنيناً للإقصاء المدني على أساس العقيدة، بما يُهدد جوهر فكرة المواطنة المتساوية.
وقد أكدت محكمة النقض في حيثياتها أن البهائية ليست من الأديان السماوية الثلاثة المعترف بها في الدولة، ولذا لا يجوز قيدها في الأوراق الرسمية، موضحةً أن ذلك لا ينال من حرية الاعتقاد المكفولة دستورياً، وأن الأمر يتعلق بالنظام العام للدولة.
غير أن المركز يرى أن المحكمة قد توسّعت في تفسير مفهوم النظام العام وتغوّلت على مبدأ دستوري أصيل هو حرية العقيدة؛ إذ فرّقت بين حرية العقيدة مكفولة دستورياً وبين ما أسمته الآثار القانونية المترتبة على هذا الاعتقاد، وذهبت إلى أن حرية العقيدة تعني أن للفرد اعتناق ما يشاء من أصول العقائد السماوية الثلاثة وهو تحديد لم يرد في نص الدستور المصري واشترطت من عندها ألا ينطوي اعتناق هذه العقيدة على المساس بالنظام العام للدولة واستقرارها، دون تعريف أو توضيح لماهية هذا النظام العام.
وبذلك تكون المحكمة قد خرجت من إطار الحكم بين الناس إلى إطار الحكم على ضمائر الناس، في تغوّل حقيقي على الحريات المدنية.
فضلاً عن ذلك، اعتبرت المحكمة أن الزواج من الشعائر الدينية، وهو افتراض يتنافى مع فكرة مدنية الدولة الحديثة التي تُتيح للمواطنين اختيار طريقة إثبات زواجهم، سواء في الإطار الديني أو من خلال المحاكم والمؤسسات المدنية التي تُثبت واقعة الزواج بوصفها عملية تعاقدية عادية بما لا يخالف الآداب العامة والأخلاق.
ثانياً: الإطار الدستوري الحاكم
تجدر الإشارة إلى أن جمهورية مصر العربية تُطلق الحق في حرية العقيدة دون تمييز أو تحديد بالأديان السماوية الثلاثة، وتُفرّق بين العقيدة وحريتها من جهة، وبين الشرائع الدينية وتقييدها من جهة أخرى في تمييز واضح يضمن للجميع أن يعيشوا في وطن يحتضنهم جميعاً بدون تفريق أو تمييز.
وفي هذا السياق، تنص المادة (64) من دستور 2014 صراحةً على أن: حرية الاعتقاد مطلقة. وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية، حق ينظمه القانون.
كما تنص المادة (53) من الدستور المصري على أن المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة.
وتنص المادة (10) من الدستور المصري على أن: الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وتحرص الدولة على تماسكها واستقرارها.
وتنص المادة (80) من الدستور المصري على أن: لكل طفل الحق في اسم وأوراق ثبوتية.
وتنص المادة (93) من الدستور المصري على أن: تلتزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تصادق عليها مصر، وتصبح لها قوة القانون بعد نشرها.
ثالثاً: المخالفات الحقوقية الدولية
يؤكد مركز أندلس أن قصر الاعتراف القانوني في مسائل الأحوال الشخصية على فئات دينية بعينها يمثل تمييزاً صريحاً على أساس الدين والعقيدة، بالمخالفة لجملة من الالتزامات الدولية الملزمة لمصر، أبرزها:المادة (16) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنص على أن: لكل إنسان، في كل مكان، الحق في أن يُعترف له بالشخصية القانونية.
المادة (2/1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تُلزم الدولة بأن: تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها دون أي تمييز بسبب الدين.
المادة (23) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنص على أن:الأسرة هي الوحدة الجماعية الطبيعية والأساسية في المجتمع، ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة.
المادة (24/2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنص على أن: يسجل كل طفل فور ولادته ويكون له اسم.
ويُشدد المركز على أن الالتزام بهذه النصوص الدولية واجب قانوني ملزم بموجب المادة (93) من الدستور المصري، لا يجوز الالتفاف عليه أو الانتقاص منه.
رابعاً: التداعيات الإنسانية والاجتماعية
يرى مركز أندلس أن رفض إثبات الزواج لا يُمكن اختزاله في كونه إجراءً إدارياً، بل يُعدّ إنكاراً للاعتراف القانوني بالمواطن ذاته في أحد أهم مجالات حياته. كما أن إنكار زواج قائم ومستقر، مهما بلغت مدته، يُعدّ هدماً مباشراً لكيان الأسرة ويُهدد استقرارها القانوني والاجتماعي.
ويُحذّر المركز من التداعيات الخطيرة لهذا الحكم على الأطفال، حيث يُعرّضهم لخطر ضياع الحقوق المتعلقة بإثبات النسب والهوية والتسجيل المدني، مما يُلقي بظلاله على مفهوم المواطنة المتساوية ويضع الدولة ومواطنيها أمام حيرة إجرائية وتنفيذية تجعل من حياة الناس والعدم سواء — وهو ما يتنافى مع أبسط مبادئ العدالة.
خامساً: موقف المركز ودعوته
يؤكد مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف أن أكثر ما يُهدد حرية العقيدة ويُهدد النظام العام ويُهدد أسس ومقاصد الشرائع والأديان السماوية ذاتها، هو أن يعيش جزء من المجتمع أو حتى بعض أفراده في حالة من النفاق العام، بحيث يُضطر المواطن إلى تبني عقيدة مخالفة لما يوقر في قلبه ولو شكلاً حتى يستطيع العيش بيننا في سلام ظاهري وقهر داخلي.
ومن هذا المنطلق، يدعو المركز إلى إعادة النظر في هذه المسألة من منظور دستوري وحقوقي شامل، يؤكد التزامنا جميعاً وتغليبنا لمبدأ مدنية الدولة، ويضمن لكل مواطن أياً كانت عقيدته أن يجد في القانون حامياً لا مُقصياً، وفي الوطن ملاذاً يحتضن الجميع بلا تفريق أو تمييز.
مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف
القاهرة، أبريل 2026
رابط البيان pdf
https://tinyurl.com/2y8l9okx