icon

DO GOOD FOR OTHERS

shape
shape

أندلس يطالب بتحقيق قضائي مستقل وشفاف في وفاة المدوّن أيمن رمزي بطرس داخل محبسه

  • 3 يوليو، 2026

أندلس يطالب بتحقيق قضائي مستقل وشفاف في وفاة المدوّن أيمن رمزي بطرس داخل محبسه

يتابع مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف ببالغ القلق والصدمة والأسف وفاة المواطن والمدوّن القبطي أيمن رمزي بطرس (54 عامًا)، أمين المكتبة السابق بمدرسة التربية الفكرية التابعة لإدارة روض الفرج التعليمية، والذي توفي داخل محبسه وهو في عهدة السلطات، بعد 24 يومًا فقط من توقيفه وحرمانه من حريته.

ولا تمثل هذه الواقعة مجرد حالة وفاة لمحتجز، بل تمثل ناقوس خطر يجسد التداخل المأساوي بين القوانين المقيدة لحرية الفكر والضمير والتعبير، وبين الممارسات الأمنية التي قد تنتهي بانتهاك الحق الأصيل في الحياة.

يرى مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف في صمت السلطات، وغياب البيان الرسمي الفوري لتوضيح ملابسات الوفاة، دليلاً إضافياً على الحاجة الملحّة لفتح تحقيق قضائي مستقل، محايد، وشفاف، تشرف عليه جهات قضائية مستقلة بمشاركة خبراء طبيين مستقلين، لضمان كشف الحقيقة كاملة ومساءلة المتورطين دون تستر أو مواربة.

إن التدقيق في خلفيات ملاحقة المواطن المتوفى يثبت أن القضية في جوهرها هي قضية رأي وتعبير سلمي عن القناعات الشخصية؛ حيث بدأت مأساة أيمن رمزي بطرس في عام 2014 حينما أُحيل، بصفته أمين مكتبة بمدرسة التربية الفكرية بروض الفرج، إلى النيابة الإدارية إثر بلاغ من الإدارة القانونية بوزارة التربية والتعليم، يتهمه باعتناق أفكار إلحادية والتعبير عنها، وانتهت تلك الإجراءات التأديبية بتركه العمل في وزارة التربية والتعليم، قبل أن يتفرغ لاحقًا للنشاط الفكري العلني والتدوين المرتبط بقناعاته.

وتجددت الملاحقة الجنائية والاحتجاز العازل في عام 2026، حين باشرت النيابة العامة التحقيق معه على خلفية اتهامات فضفاضة تتعلق بـ “ازدراء الدين المسيحي”، وفي 3 يونيو 2026، أُلقي القبض عليه وأُودع الحبس الاحتياطي، ليقضي أربعةً وعشرين يومًا في الحبس الاحتياطي، انقطعت خلالها صلته بالعالم الخارجي وبأسرته، حتى أُعلن عن وفاته داخل محبسه في 27 يونيو 2026، قبل الفصل في الاتهامات الموجهة إليه.

أولًا

ويؤكد مركز أندلس على جملة من المبادئ الفكرية والقانونية التي لا تقبل المساومة أن حرية الاعتقاد والضمير، إما أن تكون مطلقة للجميع أو لا تكون، ولا تتأتى حماية عقائد المواطنين بملاحقة أصحاب الأفكار المغايرة للأغلبية؛ فتجريم الأشخاص بسبب معتقداتهم السلمية هو انتهاك لأصل العقد الاجتماعي والكرامة الإنسانية.

ثانيًا

استنكار التوسع المفرط وغير المبرر من جانب جهات التحقيق في اللجوء إلى الحبس الاحتياطي في قضايا الرأي والفكر والمعتقد، وتحويل هذا التدبير الاحترازي الاستثنائي إلى أداة للتنكيل والتقييد غير المبرر للحرية، بما يجرده من طبيعته القانونية كإجراء استثنائي ويحوّله إلى عقوبة تسبق صدور حكم قضائي. وفي حالة أيمن رمزي بطرس، انتهى هذا الاحتجاز بوفاته داخل محبسه قبل الفصل في الاتهامات الموجهة إليه، بما يثير تساؤلات جدية بشأن مدى احترام الحق في الحياة وضمانات الحماية الواجبة للمحتجزين.

ثالثاً

هو ضرورة تركيز جهود الدولة على مكافحة خطاب الكراهية بدلاً من ملاحقة المفكرين، ولطالما دعا مركز أندلس لسنوات مطالباً بإلغاء النصوص الجنائية الفضفاضة، مثل مواد ازدراء الأديان التي تُستغل لتصفية الحسابات الفكرية، والمطالبة بدلاً منها بسن تشريعات صارمة تجرّم التمييز الديني الفعلي، وخطاب الكراهية، والتحريض الطائفي الذي يخلق البيئة والمناخ التشريعي والأمني الذي يسمح بهدر دماء المواطنين أو تبرير الانتهاكات ضدهم داخل مقار الاحتجاز.

إن هذه الواقعة تثير شبهة وجود مخالفات جسيمة لأحكام الدستور المصري، الذي يكفل حماية الحق في الحياة والكرامة الإنسانية وحرية الفكر والاعتقاد، ويضمن حقوق جميع المحتجزين. فقد نصت المادة (51) من الدستور على أن الكرامة حق لكل إنسان، وأن الدولة تلتزم باحترامها وحمايتها، كما أوجبت المادة (55) معاملة كل من يُقبض عليه أو يُحبس أو تُقيد حريته بما يحفظ كرامته، وحظرت تعذيبه أو ترهيبه أو إكراهه أو إيذاءه بدنيًا أو معنويًا، وألزمت الدولة بتوفير أماكن احتجاز لائقة إنسانيًا وصحيًا.

كما انتهكت الواقعة المادة (59) التي تجعل الحياة الآمنة حقاً لكل إنسان، والمادة (64) التي تجزم بأن حرية الاعتقاد مطلقة، والمادة (65) التي تكفل حرية الفكر والرأي والتعبير بالقول أو الكتابة، وصولاً إلى المادتين(92) و(93) اللتين تمنعان انتقاص الحقوق اللصيقة بالمواطن وتلزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تصدق عليها مصر وتمنحها قوة القانون بعد نشرها.

وتتحمل الدولة المصرية مسؤولية دولية مضاعفة أمام المجتمع الدولي واللجان الأممية، نظراً لتوقيعها وتصديقها على أهم المواثيق الدولية التي تجعل من ممارساتها الأخيرة انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي؛ حيث تنتهك قضية بطرس بنود العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICPR) الذي صادقت عليه مصر بموجب القرار الجمهوري رقم 536 لسنة 1981، وتحديداً المادة (6/1) التي تؤكد أن الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان لا يجوز الحرمان منه تعسفاً، والمادة (7) التي تحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو الحاطة بالكرامة، والمادة (10/1) التي تلزم بمعاملة المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية، بالإضافة إلى المادتين (18) و(19) اللتين تكفلان حرية الفكر والوجدان والدين والتعبير دون مضايقة.

كما تخالف الواقعة اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (CAT) التي انضمت إليها مصر في عام 1986، والتي تلزم السلطات في المادتين (12) و(13) بإجراء تحقيق سريع ونزيه وفعال كلما وجدت أسباب معقولة تثير شبهة وقوع تعذيب أو سوء معاملة أو وفاة داخل السجون ومحاسبة مرتكبها.

هذا فضلاً عن مخالفة القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا) التي تحمّل الدولة المسؤولية الكاملة عن توفير الرعاية الصحية للمحتجزين ووجوب الإخطار الفوري والتحقيق المستقل الشفاف عند حدوث أي حالة وفاة داخل السجون للوقوف على أسبابها وظروفها الإجرائية والطبية.

بناءً على هذا الإطار الدستوري والدولي الفاجع، يتقدم مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف بالمطالب الحازمة التالية:

– فتح تحقيق قضائي فوري مستقل ومحايد من قِبل النيابة العامة والمجلس الأعلى للقضاء للتحقيق في ملابسات وفاة أيمن رمزي بطرس، وإعلان نتائج التحقيقات كاملة للرأي العام دون إبطاء.

– الكشف الكامل عن ظروف احتجاز أيمن رمزي بطرس، والإعلان عن مكان احتجازه طوال فترة حبسه، ونشر تسلسل زمني مفصل للإجراءات الطبية والرعاية الصحية التي قُدمت له منذ القبض عليه وحتى وفاته، مع بيان أسباب أي تأخير أو امتناع عن تقديم الرعاية، إن وُجد.

– تمكين أسرة المتوفى وهيئة الدفاع عنه من الاطلاع الفوري والكامل على تقرير – الصفة التشريحية وكافة التقارير الطبية وأوراق التحقيق، وتمكينهم من طلب إجراء خبرة طبية شرعية مستقلة، وفقًا للقانون، للتحقق من أسباب الوفاة والكشف عن أي آثار محتملة للتعذيب أو سوء المعاملة أو الإهمال الطبي.

–  تفعيل مبدأ المساءلة والمحاسبة القانونية، والتحقيق مع كل من يثبت تورطه أو تقصيره في هذه الواقعة، سواء بالفعل أو بالامتناع أو بالإهمال، بما في ذلك أي انتهاكات تتعلق بسوء المعاملة أو الحرمان من الرعاية الصحية، وإحالة المسؤولين إلى القضاء المختص وفقًا للقانون، بما يضمن عدم الإفلات من العقاب.

– إجراء إصلاح تشريعي جذري يشمل إلغاء النصوص والتشريعات الفضفاضة في قانون العقوبات التي تجرم الفكر السلمي وتحجر على الضمير وفي مقدمتها مواد “ازدراء الأديان”، وسن قانون حاسم وموحد لمكافحة التمييز الديني وخطاب الكراهية، مع تقييد ممارسة الحبس الاحتياطي ووضع حد زمني صارم له لمنع استخدامه كأداة قمع في قضايا الرأي والمعتقد.

–  تفعيل الرقابة الحقيقية على مقار الاحتجاز عبر فتح السجون للتفتيش المفاجئ والدوري من قِبل النيابة العامة، والمجالس الحقوقية المستقلة، ومنظمات المجتمع المدني، لضمان مواءمتها للمعايير الدستورية والدولية وقواعد نيلسون مانديلا.

ويجدد مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف تأكيده أن الصمت على وفاة المواطنين داخل أماكن احتجازهم بسبب آرائهم أو أفكارهم السلمية يمثل تقويضًا خطيرًا للعدالة، ويفتح الباب أمام الإفلات من العقاب، ويقوض الثقة في منظومة العدالة وسيادة القانون. كما يؤكد أن احترام الكرامة الإنسانية، وصون الحق في الحياة، وحماية حرية الضمير والفكر، تمثل الركائز الأساسية لقيام دولة القانون. ولن يتوانى المركز عن متابعة هذا الملف حقوقيًا وقانونيًا، حتى تُكشف الحقيقة كاملة، وتتحقق العدالة، وتُحاسب جميع الأطراف التي يثبت تورطها أو تقصيرها وفقًا للقانون.